ابن عربي
68
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ » [ فاطر السماوات والأرض ] وقد قرئ الثاني في الشاذ بفتح الياء ، فكل موجود له بقاء في وجوده ، فلا بد من حافظ كياني يحفظ عليه وجوده ، وذلك الحافظ خلق اللّه ، وهو غذاء هذا المحفوظ عليه الوجود ، فلا تزال عينه وإن تغيرت صورته ما دام اللّه يغذيه بما به بقاؤه من لطيف وكثيف ، ومما يدرك ومما لا يدرك - إشارة - قل لسمائك لا تحجب بلطافتها ، ولأرضك لا تحجب بكثافتها ، فإنه لا بد عند تجليه لسمائك من تخلخلها ، ولأرضك من تزلزلها ، فإياك أن تقع في شرك الإشراك ، لعظيم آفات الاشتراك ، والزم الوحدة ، فيها تحصل رفده ومجده . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 15 إلى 18 ] قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) - الوجه الأول - أي قهر عباده لما صدر منهم من النزاع ، وأظهر النزاع مخالفة أمر اللّه ، وأدق ما يكون من الخلاف النزاع الإلهي بإنابة العبد ، فإذا زال العبد عن إنايته لم يجد القهار من يقف له فيقهره ، واعلم أن الدعاء لا يقتضي المنازعة حيث أراد ما أراد اللّه ، فإن الدعاء ذلة وافتقار ، والنزاع رئاسة وسلطنة ومن النزاع الخفي الصبر على البلاء ، إذا لم يرفع إزالته إلى اللّه ، فمن حبس نفسه عند الضر النازل به عن الشكوى إلى اللّه في رفع ما نزل به ، وصبر مثل هذا الصبر ، فقد قاوم القهر الإلهي ، فإن اللّه قاهر هذا العبد ، وإن كان محمودا في الطريق ولكن الشكوى إلى اللّه أعلى منه وأتمّ والقهر الإلهي يخفى بخفاء النزاع ، ويظهر بظهور النزاع ، ومن غفل عن ربه نازع بباطنه ما يجده من الأثر فيه مما يخالف غرضه ، فيجيء القهر الإلهي فيقهره ، فلولا النزاع القائم بنفوس الرعية الذي لو مكنوا من إرساله لوقع منهم ، ما أضيف إلى الرعية أنهم مقهورون تحت سلطان مليكهم ، ومن لم يخطر له شيء من ذلك ، ولم ينازع فما هو مقهور ، ولا الملك له بقاهر ، بل هو به رؤوف رحيم - الوجه